تعرف على طبيعة الحياة الجامعية في تركيا

تعرف على طبيعة الحياة الجامعية في تركيا

مكنت تركيا في السنوات القليلة الماضية، عبر انتهاجها لمجموعة من السياسات التعليمية الجديدة، وانفتاحها على التجارب المختلفة والناجحة في مجال التعليم، من ابتكار نموذج تعليمي ناجح، استطاعت من خلاله استقطاب أعداد كبيرة من الطلاب الأجانب للدراسة في جامعاتها، حيث وصل عددهم حسب الإحصاءات الرسمية لحوالي 88 ألف طالب، يتوزعون على مختلف المدن التركية، ويتابعون دراستهم في جل الجامعات وفي مختلف التخصصات. وتعد جنسيات الطلبة من دول أذربيجان وتركمانستان وسوريا الأكثر حضورا في مؤسسات التعليم العالي. كما ساهم نجاح هذا النموذج في انتشار اللغة التركية بشكل كبير، حيث يوجد إقبال غير مسبوق على تعلمها، خصوصا في الدول الإفريقية، التي نجحت تركيا في استمالة طلابها بفضل سياسة الباب المفتوح، كما أصبحت تركيا الوجهة المفضلة لمعظم طلاب الدول العربية، وذلك لأسباب كثيرة قد يكون القرب الثقافي والماضي المشترك أبرزها، وبما أن الدراسة في تركيا تثير الكثير من الإنتباه وتطرح العديد من التساؤلات، ستحاول هذه المقالة تسليط الضوء على الموضوع، وذلك من خلال التطرق إلى مميزات الدراسة في تركيا، المعيشة في تركيا، الآفاق الموجودة، وآخيرا الصعوبات التي قد يواجهها الطالب.

 

مميزات الدراسة الجامعية في تركيا

بداية يمكننا القول أن جودة التعليم في تركيا جيدة نسبيا، خصوصا إذا ما تمت مقارنتها مع دول أخرى، كبعض الدول العربية مثلا، حيث تملك تركيا 175 جامعة، وتطمح للوصول إلى 500 جامعة في أفق سنة 2023، وتحوي هذه الجامعات كفاءات أكاديمية محترمة، وأساتذة مميزين، كما تتوفر على كل ما هو ضروري من قاعات دراسية، مكتبات، مختبرات، مرافق رياضية وصحية، أماكن للراحة والأكل، وغيرها من التجهيزات، كلها مجهزة بشكل جيد لمساعدة الطالب على تحقيق التفوق والنجاح في دراسته. وتملك الجامعات التركية سمعة جيدة عالميا، وهو الأمر الذي يبرز جليا في احتلال العديد منها مراكز متقدمة في التصنيفات الدولية المتعلقة بالجامعات. أيضا تربط جل الجامعات شراكات عديدة مع نظيراتها من مختلف دول العالم، وعلى رأسها الجامعات الأوروبية، وهو ما يتيح لها تبادل البعثات الدراسية بشكل مستمر، ولطلابها الإستفادة من التجارب الناجحة في مجال البحث العلمي والأكاديمي. كما تجدر الإشارة هنا إلى وفرة المنح الدراسية في تركيا، والتي توفرها الجهات الرسمية وكذلك مؤسسات المجتمع المدني، كالجمعيات والأوقاف وغيرها من المؤسسات، حيث يحس الطالب بوجود نفير عام من المجتمع من أجل خدمة الطالب، وكمثال على ذلك، منحة الحكومة التركية للدراسات العليا، التي تشمل كل المصاريف، من سكن وتأمين صحي ومصروف شهري ومستحقات الجامعة، حيث يستفيد منها الطلبة من مختلف دول العالم، ويتم التقديم لها عن طريق الموقع الرسمي للمنح التركية، وغالبا ما يكون تاريخ التقديم بين شهري مارس وأبريل، أما مقدار المنحة فهو 600 ليرة بالنسبة للإجازة، و850 للماجستير، و1200 ليرة للدكتوراه، و2500 ليرة للبحوث.

     

المعيشة في تركيا

تعتبر الحياة المعيشية في تركيا ذات مستوى متوسط مقارنة بالدول الغربية، لكن على المستوى الخدماتي يمكن القول أن تركيا تتابع كل جديد في هذا الجانب وتحاول دمجه في المجتمع التركي بأسرع طريقة. وللتوضيح أكثر يمكن الحديث عن الأمر في شطرين، الأول يقدم نظرة عامة عن المجتمع التركي، والثاني يحوي بعض التفاصيل والأوضاع المعيشية في البلد. من المفيد هنا التذكير بأن تركيبة المجتمع التركي هي عبارة عن خليط متعدد الأجناس والأعراق، حيث تجد العربي والتركي والكردي والأرمني وغير ذلك، هذا التنوع أسهم في قبول أفراد المجتمع بمختلف الوافدين من بقاع الأرض، ومن هذا المنطلق، قد لا يعاني القادمين الجدد من ظواهر العنصرية والتمييز مثلا، بل على العكس من ذلك يجدون في كثير من الأحيان الترحيب والإستضافة، وهو ما يعد من مميزات الشعب التركي، مع وجود بعض الاستثناءات كما هو في مختلف دول العالم، طبعا يواجه الطلبة بعض الصعوبات من أجل تحقيق الإنسجام في المجتمع، من بينها الجهل باللغة التركية، باعتبارها اللغة السائدة، وفي أحيان قليلة ما تجد الأتراك يتقنون لغة أجنبية. أما على المستوى الأمني، تعتبر تركيا دولة آمنة لحد ما، حيث غياب مظاهر العنف، وقلة الجرائم في الأماكن العامة والحيوية، أيضا بإمكان الأفراد التجول بكل حرية في أي وقت ومكان بدون خوف للتعرض لأية مضايقات، ورغم تعرض البلد في الآونة الاخيرة لمجموعة من الهجمات والإعتداءات الإرهابية، تبقى تركيا دولة آمنة للعيش. وبالرغم من هذا فقد أثرت الاضرابات الإقليمية، كالحرب في سوريا على الإقتصاد، بشكل طفيف أحيانا وبشكل كبير في أحيان أخرى، وهو ما يظهر جليا في انخفاض قيمة صرف الليرة التركية مع العملات الأجنبية. أما مصاريف المعيشة فهي غالبا ما ترتكز في السكن والمواصلات والأكل والتأمين الصحي، بالإضافة لمستحقات الجامعة أو مركز اللغة بالنسبة للطلبة الجدد، وتختلف من مدينة إلى أخرى، حيث غالبا ما تكون المدن الكبرى كإسطنبول مثلا أكثر غلاءا من نظيراتها الصغرى، لكن عموما يحتاج الفرد في المتوسط ما بين 350-450 $شهريا لتغطية مصاريف المعيشة.

 

الشهادة التركية

عموما الشهادة الجامعية التركية معترف بها في مختلف دول العالم، ويمكن للطلبة الحصول على المعادلة في بلدانهم بدون أية مشاكل، فقط يوجد اختلاف بين دولة وأخرى في طريقة وفترة إعطاء هذه المعادلة، ولتوضيح الأمر أكثر سأعطي مثال بالطلبة المغاربة في تركيا، حيث مبدئيا يمكن لهم الحصول على المعادلة، لكن بشرط امتلاك الجامعة لإعتراف الحكومة التركية، ونفس الشيء ينطبق على الطرف الآخر، أي أنه لا معادلة للجامعات الغير معترف بها من قبل الحكومتين. أيضا قد يواجه هؤلاء الطلبة بعض التأخير في الحصول على المعادلة، مقارنة مع الدارسين في الجامعات الفرنسية مثلا، وهذا راجع إلى قلة التجارب مع تركيا مقارنة بفرنسا، حيث أعداد المتخرجين من الجامعات التركية جد قليلة، وهنا يوجد الفرق، أما بالنسبة للإجراءات المتبعة مع الطلبة في تركيا فهي نفسها المتبعة مع الطلبة في مختلف دول العالم. وقد يطلب من الطالب في بعض الحالات إتمام بعض المواد أو دراسة ساعات إضافية قبل الحصول على المعادلة، رغم أنه متخرج بالنسبة لجامعته التركية، وهذا راجع لاختلاف المناهج التعليمية في البلدين.

 

المستقبل في تركيا

تشهد عجلة التنمية والتطور في تركيا تقدما سريعا خلال السنوات القليلة الماضية، وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على أفراد المجتمع، حيث تحسن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بشكل واضح، وارتفاع جودة الخدمات العمومية، من صحة وتعليم ونقل وغير ذلك. وقد يشكل هذا الأمر حافزا بالنسبة للراغبين في الاستقرار بتركيا بعد التخرج، حيث توجد أمام هؤلاء العديد من الفرص وفي شتى المجالات، سواء الصناعة، أو التجارة، أو السياحة وغيرها، كما أنه من المتوقع أن تتحول مدينة اسطنبول إلى مركز اقتصادي في المنطقة، وهو الأمر الذي سيجعلها محجًا للشركات ورجال الأعمال من مختلف دول العالم. أيضا قد تشكل تركيا المكان المناسب لمن يريد التعرف على تجارب أخرى في مناطق مختلفة من العالم، سواء في المجال الدراسي أو المهني. لكن رغم هذا يعاني البلد بين الفينة والأخرى من بعض الصعوبات والمشاكل، أمنيا وسياسيا واقتصاديا، لأسباب داخلية أحيانا وخارجية في أوقات أخرى، تبطئ من هذا التقدم ولو إلى حين.

 

في الختام يمكن القول أن التجربة التركية في مجال التعليم، من التجارب الفريدة والناجحة في المنطقة، ورغم الصعوبات والإكراهات التي تواجهها، استطاعت أن تكون نموذجا يشهد له، وهذا راجع بشكل كبير إلى الوعي بأهمية التعليم في نهضة الأمم حيث يوجد دعم واهتمام خاص بقطاع التعليم من طرف مسؤولي البلد ويبرز هذا جليا في تخصيص أكبر ميزانية له.


التعليقات

لم يضاف التعليق

علق